الجاحظ
272
العثمانية
وأظهر ، وقد وجدوا الله لم يصنع ذلك فيما هو أغمض وأشكل . كالذي وصفنا قبل هذا من الكلام في التعديل والتجوير ، والتشبيه ، ومجئ الاخبار . وقد علموا مع ذلك أن أكثر الناس لم يؤتوا في هلكتهم إلا من قبل سرف شهواتهم ، وغلبة طبائعهم . وكيف لم يحكموا على الله بغير ما وجدوا من رفع مؤونتها ، وقمع دواعيها ، حتى لا يلحج الناس طبائعهم ، ولا تورطهم شهواتهم ، وإنما يحكم بهذا وأشباهه على الله من لا علم له بالله وتدبيره ، لان الله لو أسقط عن الناس كل ما أثقل ظهورهم ، واستبشعته نفوسهم ، وخالف أهواءهم لسقط الامتحان ، وبطل الاختبار ( 1 ) ، إذ لم يكن هناك حلاوة تجتنب ومرارة تركب ، ولذيذ يؤخر ، وكريه يقدم . وإن ذهب السائل إلى غير هذا الوجه ، وزعم أنه إنما قال إن الله قد نص على إمامة على لان الخبر به جاء المجئ الذي لا يكذب مثله . ولولا أن الخبر صحيح ( 2 ) جاز عنده أن يكون الله يطوقهم النظر ( 3 ) . ويضع لهم الدلالة ، ولا ينصهم ( 4 ) على شئ ولا يفسره لهم ، كفعله فيما هو أدق وأخفى ، وأعظم إثما وأشد خطرا . قيل لهم : إنكم وإن سمعتم فلستم بأعلم بالاخبار من غيركم . ولئن كنتم مجيبين بخبر قد سمعناه معكم فلم يحجنا كما حجكم ، إنه لعجب . وإن كان الخبر قد حج جميع من خالفكم مع كثرتهم ، وأطبقوا على كتمانه وجحده واتفقوا عليه ، إن هذا لاعجب .
--> ( 1 ) في الأصل : " إن " . ( 2 ) في الأصل : " الصحيح " . ( 3 ) أي يكلفهم بالنظر . ( 4 ) في اللسان والقاموس : " النص : التعيين على شئ ما " .